فخر الدين الرازي
24
تفسير الرازي
الفرقة الأولى : الذين قالوا : الإيمان اسم لأفعال القلوب والجوارح والإقرار باللسان ، وهم المعتزلة والخوارج والزيدية ، وأهل الحديث ، أما الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع الله عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً من الكتاب والسنّة ، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر الله به من الأفعال والتروك صغيراً كان أو كبيراً . فقالوا مجموع هذه الأشياء هو الإيمان وترك كل خصلة من هذه الخصال كفر ، وأما المعتزلة فقد اتفقوا على أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد به التصديق ، ولذلك يقال فلان آمن بالله وبرسوله ، ويكون المراد التصديق ، إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية ، فلا يقال فلان آمن بكذا إذا صلى وصام ، بل يقال فلان آمن بالله كما يقال صام وصلى لله ، فالإيمان المعدي بالباء يجري على طريقة أهل اللغة ، أما إذا ذكر مطلقاً غير معدي فقد اتفقوا على أنه منقول من المسمى اللغوي - الذي هو التصديق - إلى معنى آخر ، ثم اختلفوا فيه على وجوه : أحدها : أن الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة ، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات ، وهو قول واصل بن عطاء وأبي الهذيل والقاضي عبد الجبار بن أحمد . وثانيها : أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل ، وهو قول أبي علي وأبي هاشم . وثالثها : أن الإيمان عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد ، فالمؤمن عند الله كل من اجتنب كل الكبائر ، والمؤمن عندنا كل من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد ، وهو قول النظام ، ومن أصحابه من قال : شرط كونه مؤمناً عندنا وعند الله اجتناب الكبائر كلها . وأما أهل الحديث فذكروا وجهين : الأول : أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل ، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة ، وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيماناً إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة . وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر ، ثم كل معصية بعده كفر على حدة ، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة والإقرار ، ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجحود والإنكار ، لأن الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله ، وهو قول عبد الله بن سعيد بن كلاب . الثاني : زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها وهو إيمان واحد وجعلوا الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان ، ومن ترك شيئاً من الفرائض فقد انتقص إيمانه ، ومن ترك النوافل لا ينتقص إيمانه ، ومنهم من قال : الإيمان اسم للفرائض دون النوافل . الفرقة الثانية : الذين قالوا : الإيمان بالقلب واللسان معاً ، وقد اختلف هؤلاء على مذاهب الأول : أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب ، وهو قول أبي حنيفة وعامة الفقهاء ، ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين . أحدهما : اختلفوا في حقيقة هذه المعرفة ، فمنهم من فسرها بالاعتقاد الجازم - سواء كان اعتقاداً تقليدياً أو كان علماً صادراً عن الدليل - وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم ، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال . وثانيهما : اختلفوا في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بماذا ؟ قال بعض المتكلمين : هو العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال ثم